قضايا وملفات

بلدٌ ينهش نفسه بصمت …

بلدٌ ينهش نفسه بصمت

ثمة وجع داخلي لا يُرى في نشرات الأخبار، لكنه يُسمَع في أنين الناس، ويُلمَس في نظرات العاجزين. بلدٌ كان يمكن أن يكون واحة للأمل، صار مختبرًا للتجارب الفاشلة، وملعبًا للارتجال الإداري والسلطة التي لا تُراجع نفسها.

في الداخل، تتكاثر التحديات كما يتكاثر الصدأ في حديدٍ مهمل. الإبداع يُقتل لا بالرصاص، بل بالإهمال والبيروقراطية والمحاباة. لا أحد يشعر بالأمان الفكري أو المهني، فالنجاح صار تهمة، والمبادرة مغامرة غير مأمونة. الإدارة تعفّنت حتى العظم، وصار الكفء يُقصى لأن وجوده يفضح الفاشلين. ديكتاتورية سلبية تنمو في الظل، لا تصرخ ولا تعلن نفسها، لكنها تكمّم الأفواه وتُعدم الاقتراحات في مهدها.

أما الخارج، فالصورة أكثر تشويشًا: علاقات جوار متوترة، الجنوب يغلي على نار الصراعات، الشمال مشغول بعدائه القديم، الغرب يحفر خنادق الخداع، والشرق يمد يده لينتزع أكثر مما يعطي. الدولة محاطة بالريبة، ومواقفها الخارجية تتخبط بين المجاملة والمواجهة، حتى صار الحيادُ عذرًا للعجز، والمهادنةُ شكلاً من أشكال الهزيمة الباردة.

في خضمّ كل هذا، تضيع البوصلة. المواطن لا يعرف إن كان عليه أن يغضب أو أن يضحك من سخرية المشهد. يُقال له “اصبر”، لكنه يرى أن من يطلب منه الصبر لا يعيش وجعه. تُرفع الشعارات في المؤتمرات، وتُدفن الحقائق في المكاتب. والنتيجة: بلدٌ يشتري العداء المجاني، ويبيع طموحه بأبخس الأثمان.

ومع ذلك، تبقى جذوة صغيرة في القاع…
فكل وطنٍ لديه أحرار شرفاء، مهما اشتدّ ظلامه، يحمل في جوفه من يؤمن أن التغيير يبدأ من فكرة، من كلمة، من نبضة صدق واحدة في زمن التزييف.
قد يطول الليل، لكن لا ليلٌ أبديّ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى